ابن الجوزي
82
أخبار الظراف والمتماجنين
الأعمش : اذهب ويحك ولا واللّه ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه ، هو منذ سنة يعدني على كسرة وملح ولا واللّه ما زادني عليهما . قال الأعمش لجليس له : تشتهي كذا وكذا من الطعام فوصف طعاما طيبا فقال : نعم . قال : فانهض بنا فدخل به منزله فقدم رغيفين يابسين ، وكامخا « 1 » ، وقال : كل ، قال : أين ما قلت ؟ قال : ما قلت لك عندي إنما قلت : تشتهي . دخل على الأعمش رجل يعوده فقال له : ما أشد ما مر بك في علتك هذه ؟ قال : دخولك . قال أبو بكر بن عياش « 2 » : كنا نسمي الأعمش سيد المحدثين وكنا نجيء إليه إذا فرغنا من الدوران فيقول : عند من كنتم ؟ فنقول : عند فلان . فيقول : طبل مخرّق ويقول : عند من ؟ فنقول : فلان . فيقول : دفّ ممزق . وكان يخرج لنا شيئا لمأكله فقلنا يوما : لا يخرج إليكم الأعمش شيئا إلا أكلتموه ، قال : فأخرج إلينا سنا « 3 » فأكلناه فدخل فأخرج فتيتا « 4 » فشربناه ، فدخل فأخرج إجانة « 5 » صغيرة وقتا « 6 » . وقال : فعل اللّه بكم وفعل ، أكلتم قوتي ، وقوت امرأتي ، وشربتم فتيتها ، هذا علف الشاة كلوا . قال : فمكثنا ثلاثين يوما لا نكتب فزعا منه حتى كلمنا إنسانا عطارا كان يجلس إليه حتى كلمه لنا . قال شعبة : كان الأعمش إذا رأى ثقيلا قال له : كم عزمك تقيم في هذا البلد ؟
--> ( 1 ) الكامخ : أدام يؤتدم به . قيل هو خبز بخلّ أو لحم بخلّ . ( 2 ) هو سعيد بن عياش بن سالم الأزدي الكوفي الخياط : من مشاهير القراء ، كان عالما فقيها في الدين . توفي في الكوفة سنة 193 ه . ( راجع ترجمة النشر 1 : 156 ؛ والأعلام 3 : 165 ) . ( 3 ) السنّ : الثوم . ( 4 ) الفتيت : هو قدح الشطار ، والفتيت أيضا هو المرق . ( 5 ) الإجانة : وعاء لغسل الثياب . ( 6 ) القتّ : حبّ برّي يأكله أهل البادية أيام القحط بعد دقه وطحنه .